الشيخ عبد الغني النابلسي
141
كتاب الوجود
--> إنما وجود مفروض مقدر بالإجماع ، لأنه مخلوق ، والوجود المفروض المقدر عدم صرف في نفسه ، وإنما الوجود المحقق وجوده بالحق تعالى وحده الخالق ؛ أي الفارض المقدر لكل شيء ، ولا يقال لو كان كل شيء من هذه المخلوقات مفروضا مقدرا لما كان كما يشاهد محسوسا ومعقولا ثانيا موجودا محقّقا ؛ لأنا نقول : فرض اللّه تعالى وتقديره لوجود ذات الأشياء في أعيانها ليس كفرضنا نحن وتقدرنا للشيء المعدوم ، وقد جعل اللّه ما نفرضه ونقدره أنزل مرتبة منا ؛ ليكون ذلك مثالا فينا لما يفرضه اللّه تعالى ويقدره من وجودات الأشياء المعدومة ، وأنها أنزل منه تعالى في الوجود ، ولا يجوز الطعن في أحد من العارفين وإن جهل الجاهل قولهم . فإن الجهل للشريعة والدين الحق في مذهب ذلك الجاهل ليس بعذر ، بل الواجب عليه التعلم عنده فإذا حكمنا على الجاهل بما يرى في مذهبه حكمنا بكفره ؛ حيث أنكر ما هو الحق على أهل الحق ، وإن لم يعلم بمعنى ما أنكره فأقل شيء الإثم والمعصية في ذلك ، كما قال اللّه تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( الإسراء : 36 ) . ومن الواجب على المؤمن أن يحمل أخاه المؤمن على الكمال حسبما أمكن ، لا سيما في حق أهل المعارف والحقائق والعلوم الإلهية ، فإنهم أولياء اللّه تعالى ، ومعاداة أولياء اللّه تعالى معاداة للّه تعالى ، ومعاداة اللّه تعالى كفر لا محالة ، كما قال اللّه تعالى : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ( البقرة : 98 ) . [ قال الشوكاني في قطر الولي على حديث الولي ( 22 ) : قال ابن حجر في فتح الباري : « المراد بولي اللّه العالم باللّه تعالى ، المواظب على طاعته ، المخلص في عبادته » انتهى . فأولياء اللّه هم خلص عباده القائمون بطاعاته ، الخلصون له ، وأفضل أولياء اللّه هم الأنبياء ، وأفضل الأنبياء هم المرسلون ، وأفضل الرسل هم أولو العزم . . . » . وقد روى البخاري حديثا في ذلك قد شرحه الشوكاني في كتابه هذا : « من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب . . . الحديث » . انظر : البخاري ( 6502 ) في الرقاق ، باب التواضع ] . والجاهل الذي لا يعرف علوم الأذواق ، وإنما علم الذي هو غير عامل به أيضا مأخوذ من الكتب والأوراق له مندوحة عن الإنكار ، وهو تحسين الظن بأهل اللّه تعالى ، والاعتراف بأنه أعلم منهم باللّه تعالى ، وأنه جاهل بكلامهم ، فلا ضرورة له في الإنكار عليهم مع علمه بكفر من أنكر الحق إجماعا ، ولو أردنا أن نستدل على ثبوت وحدة الوجود بالمعنى الصحيح الذي ذكرناه لطال الكلام في ذلك بإيراد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العلماء السادة المحققين من أهل الظاهر والباطن ، ولكن قصدنا الاقتصار ، وفيما ذكرناه كفاية . [ قال ابن عطاء اللّه السكندرى في لطائف المنن ( 136 ) : « اعلم أن تفسير طائفة لكلام اللّه تعالى ولكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم -